كرامة أصحاب المعاشات ليست منّة
بقلم د. محمود كمال
ليس من المقبول أن يذهب مواطن أفنى سنوات عمره في العمل وخدمة أسرته ومجتمعه إلى مكتب التأمينات لإنهاء أوراق معاشه، فيعود إلى منزله محمّلًا بالإهانة بدلًا من أن يعود مطمئنًا إلى حقه الذي أفنى عمره من أجله.
ما تردد بشأن ما حدث داخل مكتب تأمينات فيصل – المطبعة، من تعرض أحد كبار السن لمعاملة قاسية وصوت مرتفع وعبارات لا تليق بمواطن جاء لإنهاء أوراق معاشه، يفتح الباب أمام سؤال أكبر من الواقعة نفسها: هل أصبحت خدمة أصحاب المعاشات عبئًا على بعض الموظفين بدلًا من أن تكون واجبًا ومسؤولية؟
صاحب المعاش لا يطلب صدقة، ولا ينتظر من أحد أن يمنحه مالًا من جيبه.
إنه يحصل على حق مستحق بعد سنوات طويلة من العمل، دفع خلالها اشتراكاته وتحمل مسؤولياته، وجاء اليوم الذي يفترض أن يحصل فيه على معاشه وأن يجد من يساعده في إنهاء إجراءاته بأقل قدر ممكن من المشقة.
والأكثر إيلامًا أن الفئة التي نتحدث عنها تضم كبار السن، ومن بينهم مرضى وأشخاص يعانون من صعوبة الحركة والوقوف والانتظار. هؤلاء تحديدًا يحتاجون إلى معاملة خاصة تليق بسنهم ومكانتهم، لا إلى الصراخ أو التوبيخ أو التعامل معهم بطريقة تشعرهم بأنهم ارتكبوا خطأ لمجرد أنهم جاءوا للمطالبة بحقوقهم.
نحن لا نعرف ملابسات الواقعة كاملة، ولذلك فإن التحقيق الإداري العادل هو الفيصل في تحديد المسؤولية، لكن المبدأ لا يحتاج إلى تحقيق:
إهانة المواطن داخل مرفق عام أمر مرفوض، وأصحاب المعاشات أولى الناس بالاحترام.
وإذا كان هناك ضغط في العمل، أو نقص في الموظفين، أو مشكلات إدارية، فهذه مسؤولية الإدارة التي يجب أن تبحث عن حلول لها، وليس المواطن الذي يقف أمام الموظف منتظرًا إنهاء معاملته.
الموظف العام يحمل مسؤولية قبل أن يحمل وظيفة؛ فهو موجود لخدمة المواطن وتطبيق القانون وإنجاز مصالح الناس، وليس لتفريغ ضغوطه الشخصية أو مشكلاته اليومية في مواطن لا ذنب له فيها.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح هنا: أين آليات حماية كبار السن داخل مكاتب التأمينات؟
لماذا لا تكون هناك مسارات واضحة وسريعة لكبار السن وأصحاب الحالات التي تحتاج إلى رعاية؟ ولماذا لا يتم التعامل مع هذه الفئة باعتبارها أولوية إنسانية قبل أن تكون مجرد رقم في طابور؟
إن احترام أصحاب المعاشات ليس مجاملة، بل هو احترام لعمر كامل من العطاء.
فهذا الرجل الذي يقف اليوم أمام شباك التأمينات، ربما قضى عشرات السنوات خلف مكتب أو في مصنع أو في مدرسة أو مستشفى أو موقع عمل، وربما كان في يوم من الأيام هو الذي يخدم الآخرين ويقضي مصالحهم.
واليوم جاء دوره ليجد من يخدمه.
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة داخل المؤسسات الحكومية عنوانها:
“المواطن ليس عبئًا.. المواطن هو صاحب الحق.”
وإذا ثبتت واقعة الإهانة، فإن التعامل معها يجب ألا يكون باعتبارها مجرد مشادة عابرة، وإنما باعتبارها مؤشرًا يستحق الوقوف أمامه، حتى لا تتكرر الواقعة مع مواطن آخر، وحتى تصل رسالة واضحة للجميع بأن كرامة المواطن جزء أصيل من جودة الخدمة العامة.
وفي النهاية، يبقى مطلبنا بسيطًا:
خدمة محترمة، معاملة آدمية، وإجراءات تحفظ لكبير السن كرامته ووقته وصحته.
فالمعاش ليس منّة من موظف، والاحترام ليس خدمة إضافية، وإنهاء الأوراق ليس فضلًا.
إنها حقوق مواطنين.. وكرامة كبار السن خط أحمر.
د. محمود كمال

